أحمد بن محمد القسطلاني

5

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حم عسق ( عن طاوس ) هو ابن كيسان اليماني ( عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ) أنه سئل عن قول الله تعالى : ( { إلا المودة في القربى } ) [ الشورى : 23 ] ( قال ) طاوس ( فقال سعيد بن جبير : قربى محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) حمل الآية على أمر المخاطبين بأن يوادّوا أقاربه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو عام لجميع المكلفين ( فقال : ) ابن عباس لسعيد ( إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يكن بطن من قريش إلا وله فيه قرابة فنزلت عليه ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولأبي ذر فيه ( إلا أن تصلوا قرابة ) بالتنوين ( بيني وبينكم ) وهذا لم ينزل إنما نزل معناه وهو قوله : { إلا المودة في القربى } والاستثناء منقطع ، وليست المودة من جنس الأجر أو متصل أي لا أسألكم عليه أجرًا إلا هذا وهو أن تودوا أهل قرابتي ، ولم يكن هذا أجرًا في الحقيقة لأن قرابته قرابتهم فكانت صلتهم لازمة لهم في المودة قاله الزمخشري . وقال في الفتح : ودخول الحديث في هذه الترجمة واضح من جهة تفسيره المودة المطلوبة في الآية بصلة الرحم التي بينه وبين قريش ، وهم الذين خوطبوا بذلك وذلك يستدعي معرفة النسب التي تحقق بها صلة الرحم . وهذا الحديث يأتي في التفسير إن شاء الله تعالى . 3498 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « مِنْ هَا هُنَا جَاءَتِ الْفِتَنُ نَحْوَ الْمَشْرِقِ ، وَالْجَفَاءُ وَغِلَظُ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ » . وبه قال : ( حدّثنا علي بن عبد الله ) المديني قال : ( حدّثنا سفيان ) بن عيينة ( عن إسماعيل ) هو ابن أبي خالد الأخمسي مولاهم البجلي ( عن قيس ) هو ابن أبي حازم ( عن أبي مسعود ) عقبة بن عمرو الأنصاري البدري ولأبي الوقت : عن ابن مسعود ( يبلغ به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) صريح في رفعه لا أنه سمعه من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( قال ) : ( من هاهنا ) أي من المشرق ( جاءت الفتن ) أي تجيء الفتن وعبر بالماضي مبالغة في تحقق وقوعه كأتى أمر الله وأشار بيده ( نحو المشرق ) بيان أو بدل من قوله هاهنا ( والجفاء ) بالجيم والمد وفي بدء الخلق والقسوة بدل الجفاء ( وغلظ القلوب ) قال القرطبي : هما شيئان لمسمى واحد كقوله تعالى : { إنما أشكو بثي وحزني إلى الله } [ يوسف : 86 ] أو المراد بالجفاء أن القلب لا يلين لموعظة وبالغلظ لا يفهم المراد ولا يعقل المعنى ( في الفداوين ) بتشديد الدال الأولى الصياحين ( أهل الوبر ) بفتح الواو والموحدة أي أهل البوادي وسموا بذلك لأنهم يتخذون بيوتهم من وبر الإبل ( عند أصول أذناب الإبل والبقر ) أي عند سوقها ( في ربيعة ومضر ) القبيلتين . قال في الكواكب : وهو بدل من الفدّادين . 3499 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ : « سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : الْفَخْرُ وَالْخُيَلاَءُ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ ، وَالإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ » . قَالَ أَبُو عَبْدُ اللهِ : سُمِّيَتِ الْيَمَنَ لأَنَّهَا عَنْ يَمِينِ الْكَعْبَةِ ، وَالشَّامَ عَنْ يَسَارِ الْكَعْبَةِ ، وَالْمَشْأَمَةُ الْمَيْسَرَةُ ، وَالْيَدُ الْيُسْرَى : الشُّؤْمَى ، وَالْجَانِبُ الأَيْسَرُ الأَشْأَمُ . وبه قال : ( حدّثنا أبو اليمان ) الحكم بن نافع قال : ( أخبرنا شعيب ) هو ابن أبي حمزة ( عن الزهري ) محمد بن مسلم أنه ( قال : أخبرني ) بالإفراد ( أبو سلمة بن عبد الرحمن ) بن عوف ( أن أبا هريرة - رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول ) : ( الفخر والخيلاء ) بضم الخاء وفتح التحتية والمد أي الكبر والعجب ( في الفدّادين ) الذي تعلو صلواتهم في حروثهم ومواشيهم ( أهل ) البيوت المتخذة من ( الوبر ) قال الخطابي : إنما ذم هؤلاء لاشتغالهم بما هم فيه عن أمور دينهم وذلك يفضي إلى قساوة القلب ( والسكينة ) وهي السكون والوقار والتواضع ( في أهل الغنم ) لأنهم غالبًا دون أهل الإبل في التوسع والكثرة وهما من سبب الفخر والخيلاء ، وقد قال عليه الصلاة والسلام لأم هانئ " اتخذي الغنم فإن فيها بركة " رواه ابن ماجة . ( والإيمان يمان ) ظاهره نسبة الإيمان إلى اليمن لأن أصل يمان يمني فحذفت ياء النسب وعوض عنها الألف فصار يمان وهي اللغة الفصحى ، واختلف في المراد فقيل معناه نسبة الإيمان إلى مكة لأنه مبتدأ منها ومكة يمانية بالنسبة إلى المدينة ، أو المراد مكة والمدينة إذ هما يمانيتان بالنسبة إلى الشام بناء على أن هذه المقالة صدرت منه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو بتبوك ، أو المراد أهل اليمن على الحقيقة وحمله على الموجودين منهم إذ ذاك لا كل أهل اليمن في كل زمان . وفي الحديث : أتاكم أهل اليمن هم ألين قلوبًا وأرق أفئدة الإيمان يمان ( والحكمة يمانية ) بالتخفيف وحي التشديد والحكمة العلم المشتمل على معرفة الله المصحوب بنفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق والعمل به والصدّ عن اتباع الهوى والباطل والحكيم من له ذلك . وقال